اسماعيل بن محمد القونوي

9

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بظاهره لا يدل على عدم بقاء الذنب قال المصنف في قوله تعالى : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ التحريم : 5 ] وسط العاطف بينهما لتنافيهما ومقتضى ذلك أن بين الغفر وقبول التوبة تنافيا فتأمل « 1 » قيل والتارك للذنب عمدا يثاب مراده والتارك للذنب مع الاستطاعة على فعله يثاب وإلا لزم في كل آن أن يثاب بترك المعاصي كذا صرح به النحرير في أوائل التلويح . قوله : ( والتوب مصدر كالتوبة وقيل جمعا ) أي مثل تمر وتمرة والفارق بين الواحد والجمع التاء مرضه إذ استعمال التوبات في موقع التوبة آب عنه . قوله : ( والطول الفضل بترك العقاب المستحق ) والطول في اللغة التفضل يعم الإنعام بالثواب وترك العقاب وتخصيصه بترك العقاب لوقوعه بعد شديد العقاب كأنه قيل شديد العقاب لكنه إن شاء عاقبه وإن شاء يتفضل بترك العقاب المستحق بالمعاصي سوى الكفر والشرك ولهذه المناسبة خصه بتركه وأيضا تركه العقاب دفع المضرة وهو أهم من جلب المنفعة وأيضا ترك العقاب رأسا كما هو المتبادر مستلزم للثواب إذ لا واسطة بينهما في الآخرة بخلاف الثواب فإنه يجوز أن يسبق بالعذاب ولا تكرار لأن غفر الذنوب محوها أو سترها والطول الفضل بترك العذاب المستحق وهما متغايران وإن تلازما على أن التكرار للتوكيد من شعب البلاغة لا سيما في بيان الكرم واللطف الجزيل . قوله : ( وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل على رجحانها ) وفي توحيد صفة العذاب أي في ذكرها مرة واحدة مع ذكر صفات الرحمة متعددة حال كون صفة العذاب مغمورة أي مغلوبة حيث ذكرت فيما بين صفة الرحمة وفي التعبير بصفات الرحمة تنبيه على أن صفة المغفرة وقبول التوبة والطول مآلها صفة الرحمة وتمهيد إلى بيان أن صفة الرحمة سبقت تلويحا إلى الحديث القدسي أن رحمتي سبقت على غضبي قوله دليل مبتدأ لقوله وفي توحيد صفة العذاب قوله على رجحانها أي على رجحان الرحمة قوله : والطول الفضل بترك العقاب قال الراغب الطول من الأسماء المتضايفة يقال طويل وطوال كعريض وعراض والجمع طوال وقيل طيال وقيل طال وتطاول اظهر الطول والطول قال تعالى : فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [ القصص : 45 ] والطول خص به الفضل والمن قال تعالى : ذِي الطَّوْلِ [ غافر : 3 ] . قوله : وفي توحيد صفة العذاب الخ يعني ذكر من صفات الرحمة ثلاثة أوصاف غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ ومن صفات العذاب ذكرت صفة واحدة مدرجة في أثناء تلك الصفات وهي شَدِيدِ الْعِقابِ للإشعار برجحان الرحمة على العذاب وغلبة اللطف على القهر على مقتضى قوله سبقت رحمتي غضبي .

--> ( 1 ) ولو قيل إن ترك العطف فيما عداهما للتنبيه على أنها صفة على حيالها وأما الغفران وقبول التوبة فمتقاربان إذ قبول التوبة يستلزم الغفر والغفر أعم فإنه يكون بدون التوبة ومع التوبة لا تدفع الاشكالات وأن الغفر يستلزم المحو في الشرع وإن كان أعم منه بحسب اللغة .